لم يكن اختيار باب المدينة القديمة بأزمور نقطة لانطلاق الحملة الانتخابية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد تفصيل عابر في برنامج ميداني، بل حمل في طياته رسالة رمزية واضحة: العودة إلى فضاء تختزن جدرانه ذاكرة مدينة عريقة، وفتح نقاش انتخابي من قلب مدينة تتقاطع فيها أسئلة التنمية مع انتظارات الساكنة، وتتشابك فيها مطالب الحاضر مع ثقل موروث تاريخي وحضاري يحتاج بدوره إلى حماية وتثمين.
عشية الأربعاء، دخلت «الوردة» أجواء الحملة الانتخابية بأزمور، واضعة التواصل المباشر مع المواطنين في صلب تحركها الميداني، في سياق انتخابي لا تترك فيه صناديق الاقتراع مجالاً كبيراً للمناورة، ولا تسمح فيه كثرة الشعارات وحدها بإقناع الناخب الذي بات يراقب البرامج والالتزامات، وينتظر ما يمكن أن يتحول منها إلى أفعال ومرافعات داخل المؤسسة التشريعية.
الحملة الاتحادية بأزمور جاءت حاملة للرسالة العامة التي يقدمها الحزب في استحقاقات 23 شتنبر، والتي تقوم على عشرين التزاماً موزعة على مجالات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية وتنموية، تحت شعار «إنصاف، شغل، كرامة». ويضع الحزب ضمن برنامجه قضايا التشغيل، والحماية الاجتماعية، والصحة والتعليم، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، والتنمية المجالية والحكامة، مع التشديد على قابلية الالتزامات للقياس والتقييم.
لكن أزمور، كما يعرف أبناؤها، لا تبحث فقط عن برنامج انتخابي عام؛ فالمدينة لها أسئلتها الخاصة، ولها انتظاراتها التي لا تختصر في عناوين وطنية كبرى. ولذلك فإن المعركة الحقيقية للحملة ستظل مرتبطة بقدرة المرشحين على الإنصات لما يقوله المواطنون في الشارع، وما يطرحونه من ملاحظات حول واقع المدينة ومحيطها، وما ينتظرونه من ممثليهم في البرلمان.
ومنذ الساعات الأولى لانطلاق الحملة، برز تفاعل من الساكنة مع التحركات الاتحادية، خصوصاً أن الحملة اختارت الاقتراب من المواطنين بدل الاكتفاء باللقاءات المغلقة. غير أن هذا التفاعل الأولي، مهما كانت حدته أو اتساعه، لا يمثل في حد ذاته حكماً على اتجاهات الاقتراع، بقدر ما يشكل مؤشراً على وجود نقاش انتخابي مفتوح ستحدد صناديق الاقتراع مآلاته.
اللافت في التحرك الاتحادي بأزمور هو الرهان على توسيع دائرة التواصل لتشمل مختلف الفئات والمجالات، وعدم حصر الحملة في نقطة واحدة. فالبرنامج الميداني المرتقب سيقود مناضلي ومرشحي «الوردة» إلى مختلف الدوائر الانتخابية بالمدينة، فضلاً عن منطقة سيدي علي بن حمدوش، بما يفتح المجال أمام لقاءات مباشرة مع المواطنين والاستماع إلى أسئلتهم وانتقاداتهم وانتظاراتهم.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي.
فالمواطن الذي يستمع إلى خطاب انتخابي لا ينتظر بالضرورة المزيد من الوعود، بقدر ما يبحث عن إجابات واضحة حول قضايا تمس حياته اليومية. والمرشح الذي يطرق الأبواب مطالب بأن يسمع قبل أن يتحدث، وأن يجيب قبل أن يطلب الثقة، وأن يوضح كيف يمكن تحويل الالتزامات الوطنية إلى مرافعات وبرامج تستحضر خصوصية أزمور وساكنتها.
وفي مدينة تحمل كل هذا الرصيد التاريخي، تبرز أيضاً أسئلة الثقافة والتراث والتنمية السياحية والاقتصاد المحلي، إلى جانب قضايا الشباب وفرص الشغل والخدمات العمومية والبنيات الأساسية. وهي ملفات تجعل من الحملة الانتخابية مناسبة لفتح نقاش أوسع من مجرد التنافس على الأصوات.
وبين التجاوب الذي رافق البداية، والانتظار الذي يسبق يوم الاقتراع، تبدو حملة «الوردة» أمام امتحان مزدوج: امتحان القدرة على التواصل والإقناع من جهة، وامتحان تحويل الخطاب السياسي إلى التزامات قابلة للنقاش والمساءلة من جهة أخرى.
الأيام المتبقية من الحملة ستكون كفيلة بكشف ما إذا كان النقاش بأزمور سيتجه نحو البرامج والقضايا المحلية، أم سيظل أسير الشعارات الانتخابية المعتادة. أما الناخبون، فسيبقون الطرف الذي يراقب، ويسأل، ويقارن، قبل أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.
في أزمور، إذن، بدأت الحكاية من باب المدينة القديمة، لكن نهايتها لن تُكتب عند الأبواب ولا في شوارع الحملة، وإنما داخل صناديق الاقتراع. وبين بداية حملتها وموعد الحسم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول التجاوب الأولي إلى نقاش انتخابي عميق، وهل تستطيع الالتزامات المعلنة أن تجد طريقها من الخطاب إلى الممارسة؟
الجواب، في نهاية المطاف، سيكتبه الناخب الأزموري يوم الاقتراع.

مصطفى الناسي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

أولاد غانم.. الساكنة والفلاحون يفتحون ملفاتهم أمام مولاي المهدي الفاطمي

في تجمع خطابي حاشد ببركان إدريس لشكر يشن هجوماً حاداً على الأغلبية الحكومية ويصف وعودها بـ”الخيالية”

إدريس لشكر: نرفض «القطبية المصطنعة».. و طموحنا المرتبة الأولى

البئر الجديد تستقبل مولاي المهدي الفاطمي.. حملة اتحادية تنزل إلى الميدان وتفتح نقاشاً مع الساكنة