الحكم هو أولا تشكيل التراب الوطني: يسجل المؤرخون، ولا شك، أنه عيد العرش الأول في تاريخ المغرب الذي يحتفل المغاربة في القيادة والقاعدة بوحدة التراب، الذي تم تفتيته في نونبر 1884، وكان بداية استعمار الصحراء من طرف إسبانيا. وهي المرة الأولى التي تجتمع الدول التي شاركت في ذلك المؤتمر الذي مضت عليه قرن و32 سنة.

وأهم ما في الحدث، هو أن الدول التي شاركت في مؤتمر تقزيم الإمبراطورية الشريفة، بدون استثناء، تقر وتعيد الإقرار بأنها تعترف بسيادة المغرب على صحرائه. وأمامنا اليوم السجل كاملا، وأمامنا لائحة الدول ومواقفها: 13 دولة أوروبية هي: ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، والنمسا، والمجر، وبلجيكا، والدنمارك، والسويد، والنرويج، وإسبانيا، وهولندا، وإيطاليا، والبرتغال، علاوة على الولايات المتحدة التي حضرت كملاحظ، أرادت لها معادلات التاريخ وأدواره أن تكون الدولة التي يأتي عن يدها نهاية مسار مؤتمر برلين.

كل هذه الدول أقرت بمغربية الصحراء، وعلى رأسها الدولتان اللتان اقتسمتا ثمرات هذا المؤتمر واقتسما تراب المغرب بينهما.

نحتفل بالمناسبة، والجالس على العرش هو أول ملك يعتلي قيادة بلادنا التي ظلت موضوع تفتيت وتقسيم منذ 132 سنة، بالتمام والكمال، ويكمل بذلك مشروع الملك محمد الخامس والحركة الوطنية والحسن الثاني وقوى الوطنية، إلى جانب شعب صبور مقدام صامد…

سيادة ترابية بمضمون اقتصادي… وقاري: من تطورات الوضع ككل، أن الدول القوية فيها، فرادى أو تكتلات من قِبَل الاتحاد الأوروبي، تشارك اليوم في صناعة “السيادة الاقتصادية”، ولعل وجود سفير الولايات المتحدة بعد سفير فرنسا، في انطلاق الباليه القنصلي، تعبير صريح عن التوجه الجديد.. مع استحضار التنمية المتجددة في الصحراء واستكمال مقومات دورها الإفريقي. وهو دور مركزي ومستقبلي.

ولعل الاحتفال هذه السنة يكتسي، أكثر من سابقيه، طابعه الإفريقي، فضلا عن مركزية خارطة الطريق الإفريقية للمغرب على ما سواها، وأولويتها واضحة في الأحداث الأخيرة.. وما سيأتي قريبا، وعلى المديين المتوسط والبعيد.

في المقومات التاريخية، هناك ملامح تسمح بالتقدم على الأرض، وفوق التراب.

في بناء النظام، تعتبر الدولة المقوم الثاني المركزي بدوره في تحديد هوية الشعب، إذ تقوم التعاقدات كأرضية أساسية في هندسة السلطات وطبيعة الدولة وتقدمها واشتغالها. وفي هذا الجانب، يسجل الديمقراطيون وعلماء السياسة أن محمد السادس جعل من المكون الديمقراطي رابع مقدس وثابت للمملكة إلى جانب الدين والوحدة الترابية والملكية. هذا النظام السياسي الملكي الدستوري، حامل للثابت الرابع الذي هو الديمقراطية.

بناء الدولة هو التعاقد على دستور متقدم: لقد كان الدستور هو نقطة الخلاف، أو مربط الفرس في إعادة تشكيل النظام السياسي للدولة المغربية.

ولا يمكن أن يختلف المتتبع الرصين والموضوعي بأن تعديل دستورنا في 2011 لم يكن اختيارا تكتيكيا لتجاوز استحقاق سياسي فرضته أحداث الربيع العربي، بل كان اختيارا ملكيا ونخبة الدولة معه، في قراءة التوترات المغربية الداخلية قبل أن تكون قراءة خارجية مئة في المئة.

التوترات الترابية وسؤال المسؤولية: في التوترات الداخلية، والتي تلت الدستور نفسه، كان جانب منها يطرح أمرين اثنين: معنى المسؤولية في الحقل السياسي المغربي، ثم ما يترتب عنها من قبيل الرابط السياسي بين الشعب والمسؤولين السياسيين.

وهنا لا يمكن أن نقول إننا سجلنا تقدما كبيرا بالنسبة للسؤالين من طرف من حمّلتهم صيغة الدستور الجديد المسؤولية التنفيذية. وفي مقابل ذلك نشهد باحترام تام وقطعي للدستور من طرف الملك.

ولعل التمركز الجديد الذي سيتم فيه مقاربة معادلة التراب والديمقراطية سيكون هو مقترح الحكم الذاتي. فقد سبق القول إن الصحراء صانعة الانفراج الديمقراطي في 1975، وهي صانعة التماسك الوطني والمصالحة الوطنية في 2006، كما كانت أرضية من أرضيات المقترح المغربي: الحكم الذاتي الذي هو لحمة التقعيد الجديد للحكامة الديمقراطية.

وفي تدبير التراب، وحكم المجال أيضا، هناك تقاطع بين الدستور وبين النظام وبين التاريخ، ولعل المغرب مطالب بتدبير التراب، وهو يوحده ويصنع تعدديته. وفي هذا، يختلط تاريخ الملكية وعلاقتها بجهاتها، من أجل تثمين جديد لعلاقات اتسمت بقوة اللامركزية، حتى بتنا نقول بغير قليل من التفكه إن الجهوية المتقدمة، ما هي إلا إعادة تأهيل “بلاد السيبة” بمنطق الدولة الحديثة.

ولعل التراب، اليوم ومستقبلا، يتطلب تدبيرا نظاميا مختلفا، في باقي تراب المملكة: التدبير من الحكومة المركزية، وتدبير الحكم الذاتي بنخبه وأجهزته ومؤسساته وثقافته وإشكالية علاقته بالرباط، تعبيرا عن الدولة الوطنية، وعلاقته بالقصر تعبيرا عن روحها وروح الدولة الشريفة، التي تم تفتيتها منذ 132 سنة.

التماسك الاجتماعي ليس ترفا، بل هو المنطلق والنهاية: العنصر الرابع تعميم الاستفادة من الثروة الوطنية، وسيكون من المنصف الإقرار بأن الملك كان أول عاهل يطرح السؤال: أين الثروة؟ ويسعى إلى الإجابة عنه. وما زال مشروع الدولة الاجتماعية في منعطفه الأول (حكوميا على الأقل)، وما زالت المؤشرات الدالة على الفوارق الطبقية والاجتماعية قائمة، متحدية الجميع بفقرها وشظاياها وعجز نخبها… إلخ. فالشروخ الاجتماعية، في الشباب والتراب والمناطق أيضا، صارت موضوع نقاش واضح وصريح وقوي، يقوده الملك نفسه.

هذا الملك يستحق الامتنان الأكبر والدائم: لقد رفع من سقف الطموح المغربي، في فرض حقوق البلاد، وفي معانقة هموم العباد، ولكن أيضا في دخول معتركات كان التفكير في دخولها من باب المغامرة: التصنيع المدني والعسكري، الندية الدبلوماسية والاعتراف الدولي، في مجالات مجالس الأمم المتحدة والتكتلات. وصار من باب العادي أن نطمح في دخول مجلس الأمن ضمن الدول الكبار، وصار طبيعيا أن تتحدث عواصم أخرى عنا في أحقية هذا الطموح.

اليوتوبيا وحدها قوة مادية عندما يعتنقها ملك وشعب!

بقلم عبد الحميد الجماهري

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

عيد الوحدة والسيادة … والتقدم الديمقراطي والطموح الدولي

من أجل انتخابات تحرر السياسة من سطوة العائلات

الدينامية الاتحادية لا تتوقف: من استعادة الثقة إلى صناعة البديل بعد 2026

محمد ملال يقدم حصيلته البرلمانية: أكثر من 400 تدخل تنموي و500 مبادرة رقابية وتشريعية