ماريوت – الرباط / 27 غشت 2026
الأخوات والإخوة،
السيدات والسادة، ممثلات وممثلي وسائل الإعلام،
الحضور الكريم.
نلتقي اليوم لتقديم البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برسم الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. ونحن نتقدّم إليكم بهذا البرنامج، نستحضر مسؤوليتنا الوطنية من موقعنا السياسي المؤسساتي في الاسهام في إنجاح الاوراش الاستراتيجية الكبرى للمملكة، في اطار الرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تلك الرؤية التي جعلت من النموذج التنموي الجديد ومن ورش الحماية الاجتماعية ومن جهود تعزيز الصرح المؤسساتي للمملكة قاعدةً لمغربٍ صاعد، ومن كرامة المواطن غايةً لكل سياسة عمومية. فنحن حزبٌ وطني، عمل ويعمل داخل المؤسسات، ويعتبر أن المساهمة في الأوراش الكبرى للوطن واجبٌ لا مِنّة، وأن الاختلاف في التدبير لا يعني يوماً الاختلاف في الغايات الوطنية الجامعة.
ولن أبدأ بعرض الوعود، لأن الوعود يقدّمها الجميع، وقلّما تُصان. سأبدأ بمن نحن، لأن البرنامج لا يُفهم إلا بمرجعية من كتبه.
نحن لا نتقدّم إلى المغاربة بوعود عابرة، ولا نغيّر لغتنا بتغيّر المواقع والمواسم. نحن حزبٌ له مرجعية اشتراكية ديمقراطية واضحة، تعتبر أن السياسة ليست تقنيةً للوصول إلى السلطة، بل التزاماً أخلاقياً تجاه المجتمع؛ وأن الدولة لا يُنظر إليها فقط بقوة اقتصادها، ولكن بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، وتقليص الفوارق بينهم، وضمان حرياتهم، وتكافؤ الفرص أمامهم. لذلك، فإن برنامجنا ليس تجميعاً ظرفياً لمطالب متفرّقة، بل ترجمةٌ لهوية الاتحاد الاشتراكي: الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والإنصاف المجالي، والديمقراطية المؤسساتية. وهي الهوية نفسها التي حملها هذا الحزب منذ تأسيسه، ودفع من أجلها ما دفع، حين كان الدفاع عن الحريات وعن دولة الحق والقانون يُكلّف أصحابه غالياً.
ومن هذه المرجعية بالذات، نضع حماية الحقوق والحريات في صلب برنامجنا لا في هامشه. فلا تنمية بلا حريات، ولا استثمار بلا أمن قانوني، ولا ثقة بلا قضاء مستقلّ. نريد دولة الحق والقانون كاملةً غير منقوصة: قضاءً مستقلاً ونزيهاً وفي متناول المواطن، وحريةً للصحافة والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، وحمايةً للمعطيات الشخصية وللحياة الخاصة في زمن الرقمنة، ومساواةً أمام القانون لا تعرف استثناءً ولا حصانةً بحكم الموقع أو النفوذ. فالحريات ليست ترفاً نؤجّله إلى حين تتحسّن الظروف؛ إنها الشرط الذي يجعل التقدم ممكناً والتنمية مستدامةً.
وقد مارسنا المعارضة باعتبارها وظيفةً دستورية ومسؤوليةً وطنية، لا منصّةً للرفض ولا متراساً للمزايدة. عارضنا حين كان الصمت تواطؤاً، ونبّهنا حين كان التغاضي تقصيراً، واقترحنا كلما كان النقد في حاجة إلى بديل. واليوم، نأتي إلى المغاربة بالروح نفسها؛ لا نحمل جرداً للأعطاب وحدها، بل نحمل أجوبةً ممكنة عنها؛ ولا نقول إن كل شيء سيّئ، لأن ذلك تبخيسٌ لما راكمه الوطن، ولا نقول إن كل شيء بخير، لأن ذلك إنكارٌ لما يعيشه المواطن. نحن معارضةٌ تبني جسراً مسؤولاً بين الإنصات والاقتراح والإنجاز.
ولقد جئناكم بمقترحات لم تُكتب في عزلة المكاتب، ولم تُفصَّل على مقاس ما يشتهيه السياسي لاستمالة الأصوات؛ بل بُنيت على الإنصات إلى نبض المجتمع، وإلى أسئلة المواطن الحارقة في خبزه، وشغله، وسكنه، وصحته، وتعليم أبنائه، وأمنه الاجتماعي. نحن لا نَعِد المواطن بما يُطربه لحظة ثم يُثقله خيبةً لسنوات؛ بل نقترح ما يحتاج إليه، وما تستطيع الدولة إنجازه، وما يمكن للمجتمع أن يلمس أثره. فبرنامجنا، كما سترون، يهدف الى تقليص المسافة بين القرار العمومي والحياة اليومية للمغاربة.
وقد اخترنا لهذا البرنامج شعاراً واحداً: التنمية العادلة.
ولعلّ سائلاً يسأل: ولماذا التنمية العادلة بالذات؟ ولماذا اليوم؟
نقول: لأن المغرب راكم إنجازات حقيقية، وبنى بنيات تحتية كبرى، وحافظ على توازناته، وأطلق أوراشاً اجتماعية غير مسبوقة. لكن ثمار هذا الجهد لم تصل إلى الجميع بالقدر نفسه ولا بالسرعة نفسها. ومن هنا صار السؤال المطروح على المرحلة ليس: هل ننمو؟ بل: من ينمو معنا، ومن بقي على الهامش؟
نقول التنمية العادلة لأنها أوّلاً تنميةٌ اجتماعية، تجعل من التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية حقوقاً قابلة للمطالبة لا وعوداً مؤجّلة، وتربط النمو بتحسّن الدخل، وتقيس نجاحها بما يصل إلى جيب المواطن لا بما يُعلَن في النشرات.
ونقول التنمية العادلة لأنها ثانياً تنميةٌ مجالية، لا يبقى فيها الرمز البريدي للمواطن محدّداً لمستوى تعليمه أو علاجه أو فرصته في الشغل والحياة الكريمة. فالعدالة تقتضي ألّا يُقصى أحد، والإنصاف يقتضي أن نعطي أكثر لمن حُرم أكثر. لا يكفي أن نوزّع الموارد بالتساوي بين أوضاع غير متساوية؛ بل يجب أن نجعل الاستثمار العمومي أداةً لتقليص الفوارق لا لتكريسها. تنميتُنا عادلةٌ في غاياتها، منصفةٌ في وسائلها، مجاليةٌ في أثرها.
ونقول التنمية العادلة ثالثاً لأنها تنميةٌ تُنصف كل الأجيال وكل مكوّنات المجتمع: الأطفال في تعليمهم الأوّلي وفي حمايتهم، والشباب في تكوينهم وشغلهم ومبادرتهم، والنساء في حقوقهنّ وفي تمكينهنّ الاقتصادي، والمسنّين والمتقاعدين في كرامتهم، والأشخاص في وضعية إعاقة في ولوجهم الفعلي إلى المرافق والخدمات والشغل — لا ولوجاً على الورق، بل ولوجاً يُقاس ويُحاسَب عليه. فالتنمية التي تنسى فئةً واحدة ليست تنميةً عادلة، مهما بلغت أرقامها.
وأتوقّف هنا عند فئتين طال انتظارهما.
أولاهما: من أعطى لهذا البلد عمره. إننا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا نقبل أن يُبخس حقّ من خدموا بلادنا ومجتمعنا، وأفنوا أعمارهم في الإدارة والمصنع والحقل والمدرسة والبيت ومختلف مواقع الإنتاج والعطاء. إن المسنّين والمتقاعدين ليسوا عبئاً على السياسات الاجتماعية، بل أصحاب دَينٍ في ذمّة المجتمع والدولة. ولذلك نتقدّم بمقترحات تحفظ قدرتهم الشرائية، وتضمن ولوجهم الكريم إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، وتصون مشاركتهم في الحياة العامة. فالدولة التي تنسى أبناءها بعد انتهاء سنوات عطائهم تُهدر معنى الوفاء والمواطنة؛ أمّا نحن فنعتبر كرامتهم امتداداً لكرامة الوطن، وإنصافهم اعترافاً مجتمعياً لا إحساناً ظرفياً. ونقولها بوضوح: تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد ليس حياداً، إنه اختيارٌ بتحميل الكلفة لأبنائنا.
وثانيتهما: النساء. وبالأهمية والإصرار نفسيهما، نعتبر المرأة مواطنةً كاملة لا موضوعاً انتخابياً. فكفى من استدعاء قضاياهن في الخطب والوعود ثم تأجيل حقوقهن عند لحظة القرار. النساء ليسن رقماً لتزيين اللوائح، ولا صورةً لتحسين الخطاب، ولا مجرّد فئةٍ تحتاج إلى الرعاية؛ إنهن مواطنات كاملة الحقوق، وشريكات كاملات في إنتاج الثروة وصناعة القرار وبناء المجتمع. والاتحاد الاشتراكي لا يكتشف هذه القضية اليوم، لأنها جزءٌ أصيل من هويته التقدّمية ومن معاركه التاريخية، من أجل المساواة والكرامة وإصلاح مدونة الأسرة. وسنواصل هذه المعركة حتى تنتقل المساواة من النص إلى الواقع، ومن التمثيلية الشكلية إلى المشاركة المؤثّرة، ومن الاعتراف النظري إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القابلة للإنفاذ. وأضيف معطى واحداً يلخّص حجم المعركة: من كل خمس مغربيات في سنّ العمل، واحدة فقط تشتغل أو تبحث عن عمل. أربعٌ خارج الحساب. فالتمكين الاقتصادي للنساء ليس مسألة إنصافٍ فحسب — إنه شرط التحرّر، لأن من تملك دخلها تملك قرارها.
غير أن التنمية العادلة، لكي تكون ممكنة، تحتاج إلى مؤسسات متوازنة. إن أساس رؤيتنا هو التوازن المؤسساتي؛ لأن الديمقراطية لا تستقيم حين تتضخّم مؤسسةٌ على حساب أخرى، أو تمتزج سلطة المال بسلطة القرار، أو تتحوّل الأغلبية العددية إلى استحواذ سياسي. نحن ضدّ التغوّل، أياً كان مصدره أو مجاله أو موقعه، لأن الدولة القوية ليست دولة المؤسسة الواحدة، بل دولة المؤسسات المتوازنة والمتعاونة، التي يضبط بعضها بعضاً، ويخضع فيها القرار للقانون، والسلطة للمساءلة، والسياسة لمقياس خدمة الصالح العام. إن المغرب الصاعد لن يُبنى بفاعلين أقوى من المؤسسات، بل بمؤسسات أقوى من الأشخاص والمصالح والظرفيات.
وأقولها بلغة ملموسة: لقد ضاقت المسافة، أكثر ممّا ينبغي، بين من يضع القاعدة ومن يستفيد منها. وحين لا تُفصل المصالح عن القرار، يصبح الريع نتيجةً طبيعية لا انحرافاً. ونحن لا نطلب محاسبة النوايا، ولا نتّهم أشخاصاً بأعينهم — انما نطلب تغيير القواعد. ولذلك نتقدّم بالتزامات مؤسساتية محدّدة: تنافٍ صارم بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بقرارها؛ وتصريحٌ علني بالممتلكات قابل للتدقيق؛ ومجلس منافسة مستقلّ فعلياً وقادر على التصدّي التلقائي وعلى نشر قراراته؛ وتقييمٌ علني ودوري لكل إعفاء ضريبي بحيث يكون كل إعفاء مؤقتاً وقابلاً للسحب لا امتيازاً دائماً؛ وشفافيةٌ كاملة في الصفقات العمومية. ونعلم أن هذا الكلام لا قيمة له إن لم نطبّقه على أنفسنا أوّلاً، ولذلك نلتزم أمامكم اليوم، دون انتظار قانونٍ يفرضه علينا، بأن يوقّع كل مرشّح باسم الاتحاد الاشتراكي تعهّداً بعدم الجمع بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بها، وبأن تفي كل جماعةٍ يسيّرها الحزب بالالتزامات المتعاقد عليها في الولاية السابقة مهما كان لون من تعاقد عليها. ونقبل أن نُحاسَب على ذلك علناً، وأن يذكّرنا به خصومنا قبل أنصارنا.
وهذا هو معنى المغرب الصاعد كما نفهمه. إن طموح المغرب الصاعد لا يمكن أن يقوم على المؤشرات الاقتصادية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل على قوة المؤسسات، وجودة الديمقراطية، وثقة المواطن في القانون.
فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسات كبرى في كفاءتها ونزاهتها وقدرتها على الاستمرار؛ والاستثمار يحتاج إلى الأمن القانوني؛ والتنمية تحتاج إلى إدارة فعالة؛ والاستقرار يحتاج إلى عدالة اجتماعية؛ والسيادة تحتاج إلى جبهة داخلية واثقة ومتماسكة.
المغرب الصاعد هو المغرب الذي لا يترك أحداً على هامش التقدّم، ولا يجعل قوة الدولة بديلاً عن قوة المجتمع، بل يبنيهما معاً في إطار دستورٍ فاعل ومؤسسات تحظى بالثقة. ونحن نستقبل مونديال 2030 بهذه الروح: فخراً وطنياً، وفرصةً للتنمية المحلية، ومناسبةً نقيس فيها ما يبقى للمواطن بعد المباراة الأخيرة.
وكل مقترح نتقدّم به قابل للتنفيذ، ومسنود بآليات واضحة، وآجال معقولة، ومؤشرات دقيقة للقياس. نريد أن ينتقل العمل الحكومي من بلاغة النوايا إلى تعاقد النتائج، ومن الإعلان عن الميزانيات إلى قياس أثرها، ومن تعداد المشاريع إلى معرفة من استفاد منها وكيف تغيّرت حياته.
ليست الغاية أن تقول الحكومة إنها أنفقت، ولكن أن يشعر المواطن بأن السياسة العمومية أنصفته؛ وليست العبرة بكثرة البرامج، بل بقدرتها على إنتاج الشغل، وتحسين الخدمات، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق.
بهذا المعنى، نجعل البرنامج عقداً سياسياً قابلاً للتقييم، ونجعل المحاسبة حقاً للمواطن لا منّةً من المسؤول.
هذه هي رسالتنا: لا نطلب ثقة المغاربة على بياض، بل نقدّم لهم تعاقداً سياسياً واضحاً؛ مقترحات قابلة للتنفيذ، وأهدافاً قابلة للقياس، والتزامات قابلة للمحاسبة. لا نبيع الأمل، ولكن نبني شروطه؛ ولا نغازل آلام المواطن، وإنما نحوّلها إلى أولويات عمومية. نريد دولةً قوية بعدالة مؤسساتها، ومجتمعاً قوياً بكرامة أفراده، واقتصاداً قوياً بقدرته على توزيع ثمار النمو. ذلك هو جوهر البديل الاتحادي: أن نعيد للسياسة معناها، وللمؤسسات توازنها، وللتنمية عدالتها وإنصافها، وللمواطن مكانه الطبيعي في قلب القرار العمومي، وفق منهجٍ متكامل وواقعي قوامه: التنمية العادلة.
*******
قبل أن أختم، اسمحوا لي أن أتوجّه بالشكر إلى الأخوات والإخوة أعضاء لجنة إعداد البرنامج، الحاضرين معنا اليوم، على ما بذلوه من جهدٍ ووقتٍ وصبر. وأتوجّه بالشكر نفسه، وبالامتنان ذاته، إلى كل الكفاءات والخبراء والمناضلات والمناضلين الذين ساهموا في هذا العمل من مختلف جهات المملكة، كلٌّ من موقعه ومن مجال تخصّصه. لقد كان هذا البرنامج ثمرة عملٍ جماعي طويل، وهذا في حدّ ذاته يقول شيئاً عن الطريقة التي نفهم بها السياسة.
كما أشكر ممثلات وممثلي وسائل الإعلام الوطنية الذين لبّوا دعوتنا وحضروا معنا هذا اللقاء. فحضوركم ليس مجاملةً لنا، إنه ممارسةٌ لدوركم في إيصال البرامج إلى المواطنات والمواطنين وفي إخضاعها للنقاش العمومي. وهذا بالضبط ما نريده: أن يُناقَش برنامجنا، وأن يُقارَن بغيره، وأن يُسأل عن أرقامه وآجاله وكلفته.
وسنترك الآن المجال لأعضاء لجنة البرنامج ليقدّموا لكم بالتفصيل الالتزامات العشرين التي يتضمّنها هذا البرنامج، بمحاورها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ وليعرضوا عليكم الإجراءات والمؤشرات والآليات المرتبطة بها. وبعد ذلك سنكون رهن إشارتكم لمناقشة البرنامج والإجابة عن أسئلتكم بكل وضوح.
أحيّيكم على حضوركم وتفاعلكم… والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


تعليقات الزوار ( 0 )