تدخل بلادنا مرحلة سياسية جديدة تستوجب،‮ ‬أكثر من أي‮ ‬وقت مضى،‮ ‬إعادة الاعتبار للفعل السياسي،‮ ‬وترسيخ الثقة في‮ ‬المؤسسات المنتخبة،‮ ‬وجعل الانتخابات محطة حقيقية للتنافس الديمقراطي‮ ‬على أساس البرامج والكفاءة،‮ ‬لا مناسبة لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها،‮ ‬أو تكريس هيمنة بعض العائلات النافذة على المشهد الانتخابي‮.‬
فالديمقراطية لا تستقيم عندما‮ ‬يصبح الوصول إلى المؤسسات التمثيلية امتيازا موروثا،‮ ‬أو عندما تتحول بعض الدوائر الانتخابية إلى مجالات مغلقة لا تتغير فيها النخب،‮ ‬مهما تغيرت الأجيال وتبدلت التحولات التي‮ ‬يعرفها المجتمع‮. ‬إن التداول على المسؤولية هو جوهر كل ممارسة ديمقراطية،‮ ‬وتجديد النخب ليس ترفا سياسيا،‮ ‬بل ضرورة لضمان حيوية المؤسسات واستمرار ثقة المواطنين فيها‮.‬
ومن هذا المنطلق،‮ ‬تكتسي‮ ‬الكلمة التي‮ ‬ألقاها الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي‮ ‬للقوات الشعبية،‮ ‬إدريس لشكر،‮ ‬خلال اللقاء التواصلي‮ ‬مع مرشحي‮ ‬ومرشحات الحزب‮ ‬يوم السبت الماضي،‮ ‬أهمية سياسية بالغة،‮ ‬حين نبه إلى خطورة استمرار هيمنة بعض العائلات على المشهد السياسي،‮ ‬مؤكدا أن الديمقراطية الحقيقية لا‮ ‬يمكن أن تتكرس إلا بفتح المجال أمام الطاقات الجديدة،‮ ‬وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص في‮ ‬الولوج إلى المسؤولية التمثيلية‮. ‬وهي‮ ‬رسالة تعكس انشغالا سياسيا مشروعا بمستقبل الممارسة الديمقراطية،‮ ‬وبضرورة تجديد النخب حتى تستعيد السياسة دورها في‮ ‬تأطير المجتمع وإنتاج الثقة‮.‬
ويكتسب هذا النقاش راهنية خاصة في‮ ‬الأقاليم الجنوبية،‮ ‬التي‮ ‬تعرف منذ سنوات تحولات تنموية كبرى بفضل المشاريع الاستراتيجية والاستثمارات العمومية التي‮ ‬جعلت منها قطبا اقتصاديا وتنمويا واعدا‮. ‬غير أن التنمية،‮ ‬في‮ ‬مفهومها الشامل،‮ ‬لا تقاس فقط بحجم الأوراش المفتوحة أو البنيات التحتية المنجزة،‮ ‬بل تحتاج أيضا إلى مواكبة سياسية وديمقراطية تضمن توسيع المشاركة،‮ ‬وتجديد النخب،‮ ‬وربط المسؤولية بالكفاءة والاستحقاق‮.‬
ولا أحد‮ ‬يجادل في‮ ‬أن عددا من العائلات بالأقاليم الجنوبية اضطلعت بأدوار وطنية مهمة في‮ ‬الدفاع عن الوحدة الترابية لبلادنا،‮ ‬وأسهمت في‮ ‬ترسيخ الارتباط بالوطن في‮ ‬مراحل دقيقة من تاريخ القضية الوطنية‮. ‬وهذا رصيد‮ ‬يستحق التقدير والاعتزاز‮. ‬غير أن هذا العطاء لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يتحول إلى احتكار دائم للتمثيلية السياسية،‮ ‬لأن الوطنية ليست امتيازا خاصا،‮ ‬بل هي‮ ‬مسؤولية مشتركة حملها أبناء هذه الأقاليم،‮ ‬من شيوخها وشبابها،‮ ‬ومن رجالها ونسائها،‮ ‬كل من موقعه‮.‬
لقد أفرزت الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة نخبة من الشباب،‮ ‬وأطرا جامعية،‮ ‬وكفاءات مهنية،‮ ‬وفاعلين اقتصاديين ومدنيين‮ ‬يمتلكون من الخبرة والقدرة ما‮ ‬يؤهلهم للمساهمة في‮ ‬تدبير الشأن العام‮. ‬ومن حق هؤلاء أن‮ ‬يجدوا فضاء سياسيا مفتوحا‮ ‬يتيح لهم التنافس الشريف،‮ ‬بعيدا عن منطق النفوذ العائلي‮ ‬أو التحكم في‮ ‬مسارات التمثيلية‮.‬
إن استمرار هيمنة عدد محدود من العائلات على القرار الانتخابي‮ ‬يحمل في‮ ‬طياته مخاطر حقيقية،‮ ‬أولها إضعاف ثقة المواطنين في‮ ‬العملية السياسية،‮ ‬وثانيها تكريس العزوف عن المشاركة،‮ ‬وثالثها حرمان المؤسسات المنتخبة من دماء جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي‮ ‬تعرفها بلادنا‮. ‬كما أنه‮ ‬يبعث برسائل لا تنسجم مع الصورة التي‮ ‬راكمها المغرب كبلد اختار الإصلاح التدريجي،‮ ‬وراهن على بناء مؤسسات قوية تستند إلى المشاركة والتعددية‮.‬
إن الرهان اليوم ليس فقط تنظيم انتخابات في‮ ‬مواعيدها الدستورية،‮ ‬وإنما جعلها مناسبة حقيقية لإفراز نخب جديدة،‮ ‬وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي،‮ ‬وتوسيع دائرة المشاركة السياسية،‮ ‬حتى‮ ‬يشعر المواطن بأن صوته‮ ‬يصنع الفارق،‮ ‬وأن صناديق الاقتراع تفتح الطريق أمام الكفاءة والجدارة،‮ ‬لا أمام الامتيازات الموروثة‮.‬
فبلادنا،‮ ‬وهي‮ ‬تواصل تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية،‮ ‬في‮ ‬حاجة إلى نفس ديمقراطي‮ ‬متجدد‮ ‬يواكب التحولات التي‮ ‬تعرفها،‮ ‬ويجعل من تجديد النخب قاعدة راسخة،‮ ‬ومن التداول على المسؤولية ممارسة طبيعية،‮ ‬ومن الانتخابات آلية حقيقية للتغيير‮. ‬فالمغرب الصاعد الذي‮ ‬ننشده هو مغرب التنمية والعدالة والديمقراطية،‮ ‬حيث تتسع السياسة لجميع أبنائه،‮ ‬وتكون المؤسسات التمثيلية مرآة حقيقية لتنوع المجتمع وحيوية كفاءاته،‮ ‬لا انعكاسا لاستمرار موازين القوى نفسها جيلا بعد جيل

بقلم نور الدين زوبدي

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

الدينامية الاتحادية لا تتوقف: من استعادة الثقة إلى صناعة البديل بعد 2026

محمد ملال يقدم حصيلته البرلمانية: أكثر من 400 تدخل تنموي و500 مبادرة رقابية وتشريعية

ادريس لشكر: نريد انتخابات نزيهة تعيد الثقة للمغاربة وتؤسس لبديل ديمقراطي

في اللقاء الحزبي الاستثنائي والجماهيري بجهة كلميم وادنون