بقلم بديعة الراضي
من قلب المهرجان الخطابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي نظمه الحزب بمسرح محمد الخامس ، لم تكن عبارة إدريس لشكر: “سنرفع إشارة النصر بصحرائنا المغربية قريبا”، مجرد جملة عابرة في خطاب انتخابي، بل كانت إعلانا صريحا عن منسوب عال من الأمل في أن المغرب يقترب من طي واحد من أطول الملفات التي أثقلت الذاكرة السياسية والدبلوماسية الوطنية، ملف عمر قرابة خمسة عقود، وظل حاضرا في صلب انشغالات الدولة والمجتمع والقوى الوطنية كما تتبع المجتمع الدولي من خلال المؤسسات الأممية .
لقد تحدث لشكر من موقع سياسي يرى في قضية الصحراء المغربية أكثر من شعار موسمي أو مادة انتخابية، لان الأمر يتعلق قضية وطن، انطلاقا ذاكرة ظل الاتحاد الاشتراكي فيها منذ عقود، يحمل قضايا الوطن في مقدمة انشغالاته، واضعا بذلك الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة ضمن ثوابت الممارسة السياسية والمسؤولية الوطنية للحزب. وفي هذا السياق، فإن إشارة النصر هي تعبيرا عن أمل سياسي مشروع في أن يصل المسار الذي قطعه المغرب إلى لحظة الحسم، وأن تتحول التراكمات الدبلوماسية والسياسية إلى أفق جديد يطوي صفحة نزاع طال أكثر مما ينبغي.
فاللافت في خطاب لشكر أنه جعل من الأمل مدخلا،و لا من التشاؤم قدرا، ماجاوزا الزمن الانتخابي الذي كثيرا ما تنزلق فيه الخطابات إلى الحسابات الصغيرة، وهذا ما وقع بالفعل في مشهد وسع دائرة العزوف والغضب من أغلبية تتراشق حقائق تدعو إلى افتحاصها ورفع ورقة المسؤولية والمحاسبة في وجهها.
وسط هذا المنحى اختار اختار الكاتب الاول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يضع قضية كبرى في مقدمة الخطاب أمام جماهير آتية من الدروب والازقة من الرباط والجهة ، مؤكدا ان الاتحاد اختار الوطن أولا، واختار الانتصار لقضاياه الكبرى قبل الانتصار في صناديق الاقتراع. وهذه هي السياسة عندما تستعيد معناها النبيل، في أن تجعل الانتخابات مناسبة لعرض الرؤى والرهانات، لا مجرد ساحة لتبادل الاتهامات.
وحين توقف لشكر عند بعض المواقف الصادرة عن قيادات حزبية، والتي رأى أنها بخست العمل السياسي، فإن جوهر الرسالة لم يكن الرغبة في توسيع دائرة الردود ، بقدر ما كان دعوة صريحة إلى الارتقاء بالخطاب السياسي. فالاختلاف طبيعي، والتنافس الديمقراطي ضروري، لكن السياسة لا تكبر بالصخب، ولا تقوى بالتجريح ونشر الأكاذيب ، ولا تصبح أكثر إقناعا كلما اتسع مستنقعها، لأنه عندما يتسع المستنقع، تكون مهمة السياسي الحقيقي أن يرتفع، لا أن ينزل إليه.
وهنا تكمن قيمة خطاب لشكر، أنه حاول أن يعيد للنقاش الانتخابي شيئا من سمته الوطنية، وأن يقول إن المغرب الذي يواجه تحديات كبرى في وحدته الترابية، وفي تنميته، وفي بناء دولته الاجتماعية، يحتاج إلى أحزاب ترتفع إلى مستوى اللحظة، لا إلى خطابات تستنزف السياسة في سجال غير مفيد..
إنه ابن الذاكرة الاتحادية كما قال ذلك صراحة ،كاشفا أن الاتحاد الاشتراكي، في محطات كثيرة من تاريخه، هو جزء من معركة الدفاع عن القضايا الكبرى للوطن، لا متفرجا عليها، ولذلك فإن استحضار قضية الصحراء المغربية في مهرجان انتخابي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره توظيفا ظرفيا للقضية، بل باعتباره امتدادا لذاكرة حزبية ظلت تعتبر الوطنية ممارسة ومسؤولية، لا مجرد مفردة ترفع حين تقتضي المناسبة.
ولعل أجمل ما في عبارة لشكر أنها لم تتحدث بلغة اليقين المصطنع، بل بلغة الأمل.
والأمل هنا ليس حلما ، وإنما ثقة في مسار وطني طويل، وفي قدرة المغرب على مواصلة الدفاع عن حقوقه ومصالحه، وفي أن لحظة طي هذا الملف يمكن أن تصبح أقرب مما كانت عليه في أي وقت مضى.
إشارة النصر التي تحدث عنها لشكر ليست صورة ليد مرفوعة فحسب، إنها صورة لوطن يريد أن يطوي صفحة طويلة، ويفتح صفحة جديدة تحتاج إلى نخبها وكفاءتها السياسية التي راكمت ملفات الترافع عن قضايا الوطن داخليا وخارجيا .


تعليقات الزوار ( 0 )