علي الغنبوري

عندما نبه الاتحاد الاشتراكي لخطورة وباء كورونا ، و انعكاساته القاسية على مجمل مناحي الحياة المجتمعية و الاقتصادية و السياسية ، من خلال مذكرته السباقة لتحليل الوضع الناتج عن هذه الجائحة، و اقتراحاته الجريئة في هذا الاتجاه ، هناك من اخد الامر على محمل التشكيك و الطعن في نوايا الحزب السياسية .

بل هناك من ذهب الى حد وصف الحزب بالانقلابي ، الذي يريد الانقلاب على الديمقراطية بالبلاد وصناديق الاقتراع ،معتبرين دعوة كاتبه الاول بضرورة التفكير في السبل الكفيلة بضمان الوحدة الوطنية لمواجهة هذه الجائحة ، نوعا من الالتفاف على الشرعية الديمقراطية ،و الردة السياسية .

اليوم و بعد اخذ المسافة الزمنية الكافية للتفكير الجدي و الموضوعي ، و بعد تفاقم الوضع الصحي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي خلفته و لا زالت تخلفه جائحة كورونا ، بدء الكل يتحسس رأسه ، و يتمعن جيدا فيما قاله الاتحاد الاشتراكي منذ بدء هذه الازمة غير المسبوقة.

الاتحاد الاشتراكي و منذ بدء الازمة بنى توجهاته على ثلاثة افكار اساسية ، اولها ان لا احد يستطيع التكهن بوقت زوال هذا الفيروس و لا يمكنه تقديم وصفات جاهزة للخروج من ازمة مستمرة و غير متوقفة ، ثانيا مواجهة هذه الجائحة و تداعياتها تقتضي من جميع الفاعلين بدون استثناء تغير مقارباتهم السياسية المتنافرة و التوحد حول فكرة وحيدة هي مواجهة الفيروس و تدعياته، و اسقاطها سياسيا في اطار الوخدة الوطنية ، ثالثا لا يمكن للمغرب ان يواجه هذه الجائحة دون ارساء قواعد متينة لبروز دولة قوية و عادلة و متضامنة ، تكون قادرة على تاطير المجتمع و كافة فئاته ، بما يضمن المساواة بين الجميع ، و ما يوفر الشروط الامنة للخروج من هذه الازمة

للاسف الكل كان يعتقد ان الجائحة زائلة ، و ان تداعياتها ستكون محصورة في الزمان و المكان ، و ان هذه الازمة هي مناسبة و فرصة لتصفية الحسابات و لمحاولة البروز السياسي، و انخرط الجميع في منطق تبخيسي و اناني ، كان عنوانه البارز تقديم المصالح الفئوية و الحزبية على الوطن .

و شاهدنا كيف كان عدد من زعماء الاحزاب السياسية في طليعة المنخرطين في السجالات العقيمة و المزايدات السياسوية الضيقة ، التي لم تستحضر مصلحة الوطن و المواطنين ، و كيف سعوا الى كسب بعض النقاط الوهمية ، في منطق انتخابوي مقيت ، غابت عنه ادنى شروط المسؤولية و الالتزام .

وشاهدنا كذلك، كيف اختفت كل صيغ التضامن التي ميزت بداية الازمة، و كيف عمد البعض الى الاسثمار في هذه الحائچة ، في محاولات بئيسة ، لتحقيق الربح و لو على حساب الوطن و استقراره، و كيف حاول البعض استغلال و توجيه المساعدات التي تقدمها الدولة و مرافقها و مؤسساتها الترابية الى رصيده الانتخابي .

كما تابعنا مسلسل الارتباك و التخبط الحكومي ، في عدد من القرارات الارتجالية ، التي تعكس التنافر و الصراع الذي يطبع العلاقة بين مكوناتها ، و التي لا هم لبعضها سوى الاستحقاقات الانتخابية ، في تناسي و تجاهل تام لاستفحال الازمة ، و ما تقتضيه من تكاثف و تكامل فيما بينها.

للاسف هذا الاستخفاف و هذه اللامبالاة ، و هذه المزايدات ، و هذه الانتهازية ، خلقت وضعا سياسيا و اجتماعيا ملتبسا ، تجلى اساسا في التذمر الواسع الذي باتت تعبر عنه عدد من فئات الشعب المغربي ، التي لم تعد قادرة على تحمل انعكاسات و تداعيات هذه الجائحة على حياتها اليومية .

هذا التذمر اصبح يأخد منحى كرة الثلج في اتجاه فقدان الثقة في المؤسسات الوطنية و الفاعلين السياسيين ، و قدرتهم على اخراج البلاد من هذه الازمة ، في ضل الصراع المفتوح الذي تقوده عدد من الجهات السياسية فيما بينها .

و لعل الخطاب الملكي الاخير ، لخير دليل على الوضعية الصعبة التي بات يعيشها المغرب ، فالملك ، كان واضحا في تحليله للوضع و كان صريحا بخصوص حجم الازمة التي نعيشها ، و نبه بشكل جلي الى الحلول الحازمة التي يمكن اعتمادها لمحاصرة تداعياتها القاسية .

خطاب الملك هو ناقوس خطر لكل الفاعلين بدون استثناء ، بضرورة ايقاف العبث ، و السعي نحو التوحد الوطني لمواجهة هذه الازمة ، و الابتعاد عن كل ما من شأنه ان يشوش على المجهود الوطني لتدبير هذه الازمة غير المسبوقة .

ما نحتاجه اليوم في المغرب ، هو الاقتناع بضرورة ايقاف شكل النقاش السياسي الحالي ، القائم بين مختلف مكونات الحقل السياسي المغربي ، و جعله اكثر توجها نحو الوحدة و التكامل ، لمواجهة الازمة ، و ضمان الخروج منها ، في اطار الوحدة و الاستقرار .

مواجهة تداعيات جائحة كورونا ، لن تكون بالسهولة التي يعتقدها البعض ، فأثارها باتت تلامس مختلف المجالات، و تسارع وثيرتها اصبح يهدد كل البنيات القائمة ،مما يزيد من هشاشة الوضع ، و ينذر بتحديات و رهانات صعبة ، تفرض على الجميع اليوم التحلي بروح الوطنية الصادقة و الالتزام الجاد و الصارم بالحفاظ على الوطن و استقراره .

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

كرة القدم ليست رأسمالا سياسيا

من التغول على المعارضة إلى التغول على المؤسسات الدستورية المستقلة

كم من «ناصيري» وكم من «بعيوي» وكم «إسكوبار» ينتظرون النيابة العامة؟

الامتناع عن التصويت ليس تأييدا… بل موقف سياسي في مواجهة التغول…