علي الغنبوري
لا اخفيكم سرا ان ما دفعني الى الكاتبة في هذا الموضوع الهام ، هو التنبيه المستمر و المتكرر للاستاذ ادريس لشكر، الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي ، من خطر القطبية المصطنعة على المجال السياسي ، و ما قد تقود اليه من تحطيم للبناء الديمقراطي المغربي الفتي .
فالحديث عن القطبية المصطنعة ، ليس مجرد كلام مفصول عن السياق و الواقع السياسي المغربي ، او التماس للاعذار ، او محاولة للبحث عن شماعة للالقاء مسؤولية الاخفاقات و الكبوات عليها ، بل هو نقاش سياسي مصيري و اساسي ، لا يهم فقط حزب الاتحاد الاشتراكي ، بل يهم الممارسة السياسية ككل ، مستقبلها و ادوارها داخل المغرب.
واذا اتفقنا ، ان الجوهر السياسي هو الممر و المعبر الوحيد لاي ممارسة او بناء مؤسساتي و مجتمعي ، فيمكننا القول ان السياسية و ممارستها تعيش حالة انسداد كلي ، تجعل من الصعب اليوم الحديث عنها و عن وجودها و عن اي دور لها .
السياسة لا تعني فقط العمل داخل مقرات الاحزاب ، و دبج البلاغات و اطلاق المواقف ، بل هي كذلك عكس لكل القيم و المبادئ و النضالات و المواقف على تدبير و تسير الشأن العام ، من خلال خوض الانتخابات ، و تحمل المسؤولية في البناء المؤسساتي و المجتمعي .
من هذا المنطلق تظهر خطورة القطبية المصطنعة على المجال السياسي المغربي ، فهي خلقت حالة لا سياسية و كرست لمنطق محطم و مدمر للعمل السياسي السليم ، بات يطغى و يسيطر على مختلف جوانب العملية السياسية بالبلاد .
و يبقى التجسيد الابرز للازمة التي خلقتها القطبية المصطنعة ، هو الشان العام و تدبيره ، الذي اصبح رهينة لدى توجهين اساسيين ، ينطلقان من منطلقات لا سياسية ، يعطلان اي بروز او ظهور للفعل السياسي داخله .
فالنخب السياسية اصبحت محاصرة و عاجزة عن المنافسة السياسية ، و غير قادرة على الولوج الى تدبير الشان العام ، و عكس توجهاتها و رؤاها و افكارها داخل اروقته ، مما غيب التعاقد السياسي مع المجتمع و دفع به الى الاختفاء ، ليعوض بتعاقد مشوه و معطوب .
العجز او الحصار الذي تعاني منه النخب السياسية ، ليس وليد ظروف او مبررات سياسية موضوعية و سليمة ، بل هو نتاج تحكم شرس و سيطرة مطلقة ، لمكونات غير سياسية ، تستعمل الدين و المال كمحرك للتحفيز السياسي و لجمع الاصوات الانتخابية .
هذا الوضع افقد العملية السياسية و الانتخابية، معناها و حولها الى فرص متجددة ، للانقضاض على تسير الشان العام ، ليصبح رهينة لدى هاذين المكونين غير السياسيين ، يتقاذفانه فيما بينهما ، و يسيطران على كل مفاصله .
خوض الانتخابات اليوم ، اصبح مهمة شبه مستحيلة ، بالنسبة للنخب السياسية ، في ظل وجود مكونين يعتمدان على منطق الزبناء الانتخابيين “clientèle électorale” ، خارج منطق السياسة المبني على المشاريع و البرامج و التعاقدات.
فهاذين المكونيين لا يسعيان لا الى التأطير و التكوين السياسي للمواطنين ، و لا الى النضال المجتمعي من اجل الحقوق و الحريات ، و لا الى البناء المجتمعي ، فهما يعتمدان على التوظيف المريب للدين في جمع الاصوات الانتخابية ، و على الاموال الطائلة التي تغرق الساحة الانتخابية .
تكريس هذا الوضع داخل الساحة السياسية ، خلق حالة “بلوكاج” في دورة انتاج النخب السياسية ، حيث سرعان ما تجد هذه الاخيرة نفسها خارج اي منطق مؤسساتي و سياسي ، بسبب انسداد الافق السياسي ، الناجم عن غياب المنافسة السياسية المجردة و الموضوعية .
ازمة النخب السياسية لم تعد ازمة فئوية او حزبية ، بل تحولت اليوم الى ازمة دولة ككل ، باعتبرها الجامعة و الحاضنة للعمل السياسي السليم ، حيث باتت تجد نفسها بدون نفس سياسي ، و بدون وسائط مجتمعية ، و بدون تعاقدات مجتمعية قابلة للمحاسبة و التغييير ، لتتحول هي نفسها و مؤسساتها الى رهينة لدى مكونين مهيمنين و مسيطرين ، و بدون اي افق سياسي مواكب و مساير لتطلعاتها و رهاناتها .
لم يعد من المقبول اليوم ، الاستمرار في هذا المنطق المبهم و الملتبس ، الذي يعرقل البناء المجتمعي ، و يهدد الاختيارات الديمقراطية و التعددية التي يرتكز عليها النموذج المغربي ، فالمطلوب اليوم التحلي بالجرأة و الشجاعة السياسية من طرف الكل لاعادة الروح الى العملية السياسية ، بما يتوافق و التوجهات و الطموحات الاكيدة لبناء المغرب الذي يعتز كل ابنائه بالانتماء اليه .

تعليقات الزوار ( 0 )

مواضيع ذات صلة

كرة القدم ليست رأسمالا سياسيا

من التغول على المعارضة إلى التغول على المؤسسات الدستورية المستقلة

كم من «ناصيري» وكم من «بعيوي» وكم «إسكوبار» ينتظرون النيابة العامة؟

الامتناع عن التصويت ليس تأييدا… بل موقف سياسي في مواجهة التغول…